الفيض الكاشاني
218
الوافي
بيان : الظاهر أن هذا التفسير من كلام الصدوق رحمه اللَّه ويستفاد منه أن مد الصوت وترجيعه بأمثال ذلك ليس بغناء أوليس بمحظور وفي الأحاديث التي مضت في باب ترتيل القرآن بالصوت الحسن من كتاب الصلاة دلالة على ذلك والذي يظهر من مجموع الأخبار الواردة فيه اختصاص حرمة الغناء وما يتعلق به من الأجر والتعليم والاستماع والبيع والشراء كلها بما كان على النحو المعهود المتعارف في زمن بني أمية وبني العباس من دخول الرجال عليهن وتكلمهن بالأباطيل ولعبهن بالملاهي من العيدان والقضيب وغيرها دون ما سوى ذلك كما يشعر به قوله عليه السّلام « ليست بالتي يدخل عليها الرجال » . قال في الاستبصار بعد نقل ما أوردناه في أول الباب الوجه في هذه الأخبار الرخصة فيمن لا يتكلم بالأباطيل ( 1 ) ولا يلعب بالملاهي والعيدان
--> ( 1 ) قوله « الرخصة في ما لا يتكلم بالأباطيل » مذهب الشيخ في الاستبصار وهو الذي اختاره المصنف مما استحسنه بعض المتأخرين واستبعده آخرون ومبنى كلام من استبعد على كون الغناء مطلقا حراما وإن كل صوت محلل فهو خارج عن الغناء موضوعا والذي يظهر لنا من تتبع كلام العرب وأشعارهم وعبارات الفقهاء وأهل الأدب وغيرهم ، إن الغناء اسم مطلق الصوت أو لكل صوت يرتفع ويرجع فيه وإن لم يمل إليه الطبع فهو نظير القول والسماع فالقول يطلق على كل يتكلم به وقد يختص في بعض العبارات بالغناء المطرب ويطلق القوال على المغني . وروى أن الأنصار قوم يعجبهم القول أي الغناء ، وكذلك السماع اسم لاستماع كل كلام وصوت وقد يخص في اصطلاحهم بالغناء وسماعه كما قبل رب سماع حسن سمعته من حسن فكما إن القول والسماع لغة أعم من المحرم ، كذلك الغناء ومد الصوت أعم منه وليس مطلق الغناء أي مطلق مد الصوت حراما ونظيره الشراب فإنه في اللغة كل ما يشرب وليس حراما وقد خص في بعض الاصطلاحات بالمسكر وهو حرام فكما يجب تقسيم الشراب إلى محرم ومحلل كذلك الغناء أي مد الصوت فيقال الغناء والسماع والقول قسمان قسم محرم وقسم محلل إلا أنه غلب اللفظ على القسم المحرم نظير البدعة فإنها اسم للشئ الحادث وغلبت على المذموم منه . قال الشاعر في حمامه : إذا هي غنت أبهت الناس حسنها * وأطراق أجلا لها كل حاذق ولا ريب في صحة اطلاق التغني على صوت الحمام مع عدم حرمته والالتذاذ بصوته وصوت ساير الطيور ، ولا ريب أيضا في صدق الغناء على النوح والمراثي وتأثير الصوت ليس خاصا بالشهوة قطعا . قال إبراهيم الموصلي : إذا تغنيت بالمديح ففخم أو بالنسيب فأخضع أو بالمراثي فأحزن أو بالهجاء فشدد . قيل أطيب الغناء ما أشجاك وأبكاك وأطربك وألهاك وليس مخصوصا بالبكاء في العشق واللهو ، بل في المراثي أيضا ، وقد حكي عن العارفين بهذا الشأن أحوال غريبة وأعمال عجيبة منها إن يعقوب بن إسحاق الكندي لعب بالعود عند مريض مشرف على الموت فتهيج فيه الحرارة الغريزية وقعد وأوصى بما أراد ثم لما زال أثر الغناء سقط ومات ، وروى أن بعضهم كان عنده لحن منوم وبعضهم كان يغني بلحن يثير الحماسة ويحمي الغيرة في الحرب وبعضهم يوجد الخوف في العدو فيهرب وبالجملة لتركيب أنواع النغم على أنحاء مختلفة تأثير في النفوس ولا يمكن أن يقال إن كل صوت له تأثير حرام ، ولا ان كل صوت حسن بتركيب نغمائه يميل إليه الطبع حرام لما قد سبق في كتاب الصلاة من قراءة سيدنا السجاد عليه السلام واجتماع الناس لصوته . وقال النبي صلى الله عليه وآله لبعض الناس أعطيت من مزامير آل داود لما سمع قرائته القرآن بصوت حسن ، وقال من لم يتغن بالقرآن ليس منا ، وقد سبق ان الباقر عليه السلام أوصى بمال للنائحة تنوح عليه أيام منى ، والنوح لا يخلو من صوت بلحن شجي ، والحداء للإبل معروف ولم يمنع منه أحد مع أنه مركب من أصوات ونغمات على نحو يؤثر في الجملة مع صدق التغني والغناء على جميع ذلك . فلا بد إما أن يذهب مذهب الشيخ في الاستبصار ويحمل المنع من الغناء على مصاحباته لا على نفس الصوت من حيث هو صوت أو تخص الحرمة بنوع خاص من الألحان وهي ما ترغب في الحرام وتبعث عليه كتهييج الشهوة والرغبة في شرب المسكر واللهو والفساد أو يثير الغيرة والحمية لقتل نفس محرمة وإثارة فتنة نائمة فتكون حراما لأنها سبب الحرام وهو المنصرف إليه من اطلاق الأحاديث المانعة ، وعبارة الفقهاء الأقدمين ، وأما الألحان التي توجب الرغبة إلى الله والعبادة وترك النظر إلى الزخاف الفانية والحزن على المظلومين من آل محمد صلوات الله عليهم أجمعين أو بيان مناقبهم بلحن يوجب تأثيرها في القلوب فليس من المحرم في شئ فهي نظير الصوت الحسن في القرآن . وحكى الراغب في كتاب المحاضرات أن ماسرجويه بكى من قراءة أبي رضي الله عنه ، فقيل له كيف تبكي لكتاب لا تصدق به فقال أبكاني الشجا ، وقال إسحاق الموصلي أمر الصوت عجيب منه ما يسر سرورا يرقص ومنه ما يبكي ومنه ما يكمد ومنه ما يزيل العقل حتى يغشى على صاحبه وليس يعتري ذلك من قبل المعاني لأنهم في كثير من الأحوال لا يفهمون . انتهى . أقول : ما يسر سرورا يرقص هو الذي ينصرف إليه المطلق فإنه الذي كان مكسبا لجماعة يأخذون عليه أجرة ويسمون بالمغني والمغنية ، وإما ما يبكي فإن كان نظير بكاء العشاق وأهل اللهو في السكر فهو أيضا حرام وإن كان في النوح والمراثي والمواعظ وذكر الجنة والنار فهو محلل ولا ينصرف إليه المنع عن الغناء في الأحاديث وإن أطلق عليه لفظ الغناء في اللغة . ثم إن فرض نادرا إن بعض الألحان قد تستعمل في مجالس أهل الفسوق وقد تستعمل في المواعظ والمراثي فلا تضايق عن الحكم بالحرمة في الأول وعدمها في الثاني وإن فرض إن لحنا لا يناسب القرآن والدعاء والمواعظ أصلا بحيث لا يمكن أن يغني به أحد ولا يقصد به اللهو والفسوق ، وإن ادعى إلى ما أردت اللهو لم يقبل منه فحرام في العبادات وإن لم نقل بحرمة الغناء من حيث هو صوت فإنه استخفاف وتوهين للقرآن والوعظ وقد ورد في الحديث الأمر بقراءة القرآن بألحان العرب لا بألحان أهل الفسق كما مر في كتاب الصلاة ، وقد تبين بما ذكرنا أنه يبعد كل البعد أن يتحقق الغناء المحرم في مجالس القرآن ومراثي أبي عبد الله الحسين عليه السلام وفي مجالس الذكر والوعظ ، لأن الألحان المستعملة فيها ليست لتهييج الشهوة ولا تناسب الفسوق ولا يقصد بها الفساد ، بل توجب الحزن على مصائب آل محمد صلى الله عليه وآله وهو أمر مندوب إليه وإن فرض أن راثيا اختار لحنا من لحون أهل الفسق سخر منه وضحك قطعا لعدم المناسبة واستهزاء الناس به حتى الفساق وتقوض عليه مجلسه وبار صنعته ، نعم إن اختار أهل الفسق في مجالستهم آية من آيات القرآن أو شعرا من المراثي وغنوا بها لهوا بلحن يناسب الرقص والعزف كان حراما ألبته فهو لهو بألفاظ القرآن لا قرآن بألحان اللهو . « ش » .